محمد غازي عرابي

1139

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ المدثر : 32 ، 56 ] القمر إشارة إلى القلب المستضيء بضياء شمس الذات ، والقسم دال على عظمة القمر ومكانته عند اللّه إذا ما صار بدرا ، أي مرآة كاملة تعكس أنوار اللّه ، وإلا فالقمر غاسق مظلم وحجاب كثيف عن اللّه كما أوردنا حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعائشة رضي اللّه عنها عندما أخذ بيدها ، وأشار إلى القمر قائلا : ( إستعيذي باللّه من شر هذا ، فهو الغاسق إذا وقب ) . وإدبار الليل وإسفار النهار سقوط الحجب بين الإنسان واللّه وظهور اللّه ، وما دام الليل دام الحجاب ، ولهذا تبع القسم بالصبح قوله تعالى : إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ ، أي البلايا العظام ، وبلية البلايا البقاء في جهنم البعد وقالت الآية الثامنة والثلاثون إن النفس رهينة كسبها ، وكسبها حبسها في محبس المادة والبدن ، ثم ربطت الآيات بين هذا المحبس وجهنم المسماة سقر ، وقالت إن هذا الحبس نتيجة أخلاقية فعلية ، إذا أن أصحاب جهنم لهم سلوك معلوم ، فهم ليسوا مع اللّه ، ولا مؤمنين ، ولذلك هم لا يصلون ، ولا يصلون المساكين ، وهم بكل آية يمترون ، وهم يكذبون بأن لهذا الوجود حقيقة روحية أصيلة أزلية أبدية هي المبدأ والمعاد ، ومن كان هذا شأنه فهو مثل حمر وحشية فرت من أسد ، وللتشبيه لطيفة ، ذلك أن جلال الدين الرومي ذكر في كتابه المثنوي قصة الأسد والذئب والثعلب وقد اصطادوا حمارا وظبيا وأرنبا ، فسأل الأسد الذئب كيف يقسم الصيد ، فقال الحمار لك ، والظبي لي ، والأرنب للثعلب ، فضربه الأسد ضربة قضت عليه ، ثم سأل الثعلب السؤال نفسه فقال : الحمار لغدائك ، والأرنب لإفطارك ، والظبي لعشائك ، فقال الأسد : من علمك هذا ؟ فأشار الثعلب إلى الذئب القتيل وقال : هذا . والمغزى أن الأسد هو الملك ، والملك مالك له الملك ، وأنى توجه المخلوق كان داخل دائرة ملكه ، فهو الحاكم القاهر ، حر يفعل ما يشاء ، ولا خروج لأحد عليه وإن بدوا ظاهرا خارجين ، فمن حجب عن اللّه وعاش محجوبا ، فهو في القبضة أيضا وإن كفر وتباهى ولم يكبر سبحانه حاشاه أن يكون له شريك في الملك ، والملك ملكه ، والحكم حكمه ، له المبدأ وإليه المصير .